لم يعد للكتابة طعم، وليس هناك ما يغري لخوض مغامرة الغوص في أعماق جافة خالية من الحياة·
السراب والقحط يحيطان بالباحثين عن قطرة ما وعن الظلال من كل جانب والصحراء تفتح فمها لابتلاع كل الداخلين إليها·
الأشياء تغيرت والوجوه تبدَّلت والطبيعة مسكونة بالرعب وبالوحوش الضاريّة والآمال تبددت والأحلام تبخّرت·
إنه السير المضني من فراغ إلى فراغ في فضاء موحش لا صوت فيه إلا أصوات الذئاب وهي تعوي في جوف الليل·
لقد كتب على من يحمل قلما وبعض أوراق وهو سلاحه في هذه الحياة مواجهة الإعصار لوحده من غير أن يحس بالوجع ويتألم·
إنه الصراع الأبدي مع الضمير ومع الذات ولا مفر من مواجهة الحقيقة·
لمن تكتب، ولماذا تكتب، وعن أي المشاهد ستتحدث، وهي كلها متشابهة وتتكرر وتلاحقك في كل مكان، وفي كل زمان ولا سبيل لتغييرها·
كيف يمكن لك أن تبعث الحياة في نفوس مغلفة بالسواد، ويروقها أن تظل داخل الصناديق المغلقة وقد أصابها الصدأ·
الكتابة هي إحداث فعل التغيير ولكن في محيط إنساني له القابلية في أن يتحرر ويتخلص من الأغلال، وينطلق في فضاء خال من القيود·
الكتابة هي الدافع على النهوض وعلى التحرر من عقد الخوف، وإخراج الإنسان التائه من الأنفاق إلى عالم ينعم فيه بالضياء ليبصر ذاته، ويرى نفسه، ويكتشف قدراته ويحقق وجوده ولا يبقى رهينة وإنسانا ضعيفا تلاحقه لعنة العبودية·
الإنسان الذي يعيش بلا حاضر، هو إنسان بلا مستقبل، ولا يستحق الحياة، وليس من حقه، وهو العاجز المستكين القابع الراضي بواقعه المزري، وبوضعه المفزع، أن يطلب النجدة طالما أن صوته مازال أسير حنجرة معطلة·
الكتابة لا توجه إلى المحبطين والغارقين في هزائمهم، ولا إلى الألسنة التي أحزمها الشيطان واستدرج أصحابها إلى عالم الشعوذة ودوائر الرذيلة والخيانة والجريمة·
الكتابة لا تتعامل مع نفوس مريضة فاقدة لإرادة الحياة، ومجبولة على الخنوع وحاملة لفيروس الموت·
الكتابة هي بمثابة الشعلة المقدسة والنور القادم من خلف الغيوم، وإطلالة الفجر على التلال الندية، والمروج الخضراء ينبغي ألا تتدنس بأفعال وسلوكات المعتوهين الفاقدين للذاكرة الإرادية الجاحدين المتنكرين لأصولهم وجذورهم المرتبطين بأجنحة الباعوض والذباب الساقين من البرك والمياه الراكدة·
الكتابة لا تتصالح إلا مع نفسها في لحظات الشدة والمخاض وأزمنة الإعصار، وتأبى أن تكون سوطا في يد الجلاد وأداة ووسيلة للتزييف والغدر بالعباد·
الكتابة التي لا تأخذ بأيدي المظلومين المطعونين المخدوعين المنبوذين التائهين في أروقة النفاق والرياء هي نفخ في الرماد وفي الهشيم، وهي أخطر من الوباء·
الكتابة هي تجديد للحياة وتطهير للروح وتخليص للنفس من الشرور ومن الأذى، ولا تقبل المهادنة والمساومة وتتستر على ما تحت الغطاء من خيانات وفضائح تبيح سفك دماء الأبرياء والشرفاء·