الإهداء..
إلى كل من ينسى في لحظة غرور وتكبر وتجبر وتفرعن.. بأنه هو أيضا يمكن أن يصاب بالإسهال فيركض مهرولا إلى المرحاض ويعمل ''كاكا'' عفنة و''فايحة''.
.. كان يا ما كان في قديم الزمان..
.. كانت هناك بلدة صغيرة.. صغيرة.. وبعيدة
.. وكان هناك ناس.. ناس البلدة الصغيرة والبعيدة.. كانت أحلامهم صغيرة كبلدتهم بعيدة كبلدتهم أيضا.. كانت كل أحلامهم لا تتجاوز كمية الخبز والملح والسكر والماء والهواء التي يحتاجونها للبقاء أحياء.. وكانوا يحلمون أيضا ببعض الحقوق الآدمية التي قد ترفعهم إلى مراتب البشر.
.. وكان هناك ''جلالة السلطان العظيم''.. وما السلطان وما العظيم إلا الله.. في البداية لم يكن لقبه جلالة السلطان العظيم.. في البداية كان ناس البلدة الصغيرة والبعيدة ينادونه بلقب الحاكم أو ''الساهر''، أي الساهر على أمور الرعية والبلدة، بحكم التسمية الرسمية.
***
.. وكانت هناك ضباع جائعة.. وذئاب ماكرة.. وكلاب بشرية.. لم تكن تفكر إلا في الطريقة التي تعزل بها ''السيد الساهر'' عن ناس البلدة الصغيرة والبعيدة.. في البداية أحاطته الضباع الجائعة والذئاب الماكرة والكلاب البشرية من جهة الشرق فسدوها في وجهه.. ثم أحاطوه من جهة الغرب وسدوها في وجهه أيضا.. بعد ذلك جاء دور جهة الشمال.. ولم تمض شهور قليلة حتى سدوا في وجهه جهة الجنوب.
.. طبعا لم يكن ''جلالة السلطان العظيم'' يعلم شيئا عن أحوال ناس البلدة.. البلدة الصغيرة والبعيدة.. فقد تكفلت الضباع الجائعة والذئاب الماكرة والكلاب البشرية بأمر الرعية تماما كما تقتضي القوانين والأعراف الفرعونية.. ثم تفرغت بعد ذلك لقضاء مصالحها وحاجاتها وحوائجها.. تماما كما تقتضي الطبيعة الحيوانية!
.. وهناك في قصره البعيد عن ناس البلدة.. البعيد عن مطالبهم ومشاكلهم وأحلامهم، جلس ''السيد الساهر'' بناء على نصيحة الضباع الجائعة والذئاب الماكرة والكلاب البشرية، يفكر في أهم شيء بالنسبة له.. وهو كيف يدخل التاريخ من بابه الواسع.. قالوا له إذا أردت أن يخلد التاريخ اسمك واسم بلدتك يجب أن تبحث لك أولا عن لقب يليق بقامتك وبمقامك وبذكائك وعبقريتك.. لذلك طلبوا منه أن يفكر جديا في تغيير لقب ''الساهر'' حتى لا يختلط في ذهن وذاكرة الناس في المستقبل مع لقب واسم المطرب العراقي الكبير الذي تنبأت العرافة بظهوره في الأزمان القادمة.
.. وفي أحد أيام الجمعة.. حشد ناس البلدة الصغيرة والبعيدة الذين لم يعد يهزهم شيئا ولا يهمهم شيئا.. الذين ماتت قلوبهم واغتيلت أحلامهم.. وأخبرهم بأن لقبه من اللحظة هو ''خليفة البلدة''.. ولم يقل ناس البلدة شيئا.. ولم تمض جمعة أخرى حتى أصدر قرارا أعلن بموجبه بأن لقبه الجديد هو ''حاكم البلدة''.. ولم يقل ناس البلدة شيئا.. ولم تمض جمعة أخرى حتى أصدر قرارا أعلن بموجبه الملكية في البلدة.. ولم يقل ناس البلدة شيئا.. ولم تمض أشهر حتى أصدر جلالته ومن أجل مصلحة البلدة ومكانتها في التاريخ أمرا ملكيا يمنح جلالة الملك.. وما الجليل والملك إلا الله.. لقبا جديدا هو '' فخامة جلالة السلطان العظيم''.. وكالعادة لم يقل ناس البلدة شيئا.
.. وفي يوم من الأيام ونتيجة لشعوره بالضجر وبالملل، قرر السلطان أن يخرج في نزهة إلى خارج البلدة.. سار هو وحاشيته إلى غاية أن وصلوا إلى غابة تقع عند سفح جبلين متقابلين يخترقهما نهر جار.. هناك.. بين الجبلين.. ابتعد السلطان عن حاشيته ليفك ''حسرته'' خاصة وأنه أكثر من أكل الشواء بالهريسة.. ما إن خطا خطوات قليلة حتى زلت قدمه على صخرة مبللة.. فصاح وهو يتألم: ''آي.. آي.. قدمي''.. فتردد في المكان كله نفس الصرخة ونفس الكلمات ''آي.. آي.. قدمي''. . دهش السلطان من دقة تقليد صوته.. وقف ثم صاح من جديد: ''من هناك؟''.. وجاءه الرد بنفس السرعة والدقة.. ''من هناك؟''.. ثم قال وهو يحاول أن يهدأ نفسه: ''من الأفضل أن تخرج من مخبئك ''وجاء الرد: ''من الأفضل أن تخرج من مخبئك؟''.. ''أنت لا تعرف مع من تلعب'' قال السلطان مهددا.. ''أنت لا تعرف مع من تلعب''. ردد الصوت مهددا أيضا.. اقترب السلطان من طباخه وقال ''عندي فكرة'' ثم همس في أذنه طباخه بكلمات.. فسار هذا الأخير خطوات قليلة، وقف فوق الصخرة.. تنحنح ثم صاح: ''أنا طباخ السلطان''.. ولدهشة الجميع جاء الرد مختلفا هذه المرة.. إنه نفس صوت الطباخ الذي يشبه صوت دجاجة وهي على وشك أن تبيض.. لكنها ليست نفس الكلمات.. لقد جاء الرد في كلمة واحدة هي: ''طز''!.. بعد ذلك تقدم آخر وصاح: ''أنا حلاق السلطان''.. وجاء الرد: ''طز''!.. ثم تقدم ثالث وصاح: ''أنا سياف السلطان''.. وكان الرد أيضا: ''طز''!.. وتقدم رابع وقال: ''أنا مدير إذاعة السلطان''.. وكان الرد نفسه: ''طز''!.. وصاح خامس: ''أنا مدير تلفزيون السلطان''.. ''طز'' !.. وصاح آخر: ''أنا وزير السلطان''. . وجاء الرد.. ''طز''!.. بعد ذلك تقدم آخرهم يجر ذيله وراءه وصاح من أعلى الصخرة: ''أنا كبير وزراء السلطان''.. فدوى المكان وردد نفس الإجابة: ''طز'' !.. لم يبق إلا السلطان الذي تلفت خلفه محدقا في الوجوه المصفرة والشاحبة ثم تقدم خطوات إلى الأمام بركبتين مرتجفتين وجبهة تتصبب عرقا.. تنحنح ثم صاح بأعلى صوته: ''أنا السلطان''.. وبنفس حدة وقوة الصياح تردد في المكان: ''طوووووز'' !.. لم يتمالك السلطان نفسه.. كاد أن يجن فصاح ثانية وبأعلى صوته: ''أنا جلالة السلطان العظيم''.. فرد الصدى بصوت مسموع وهادئ ومستهزئ: ''.. وأنا الحقيقة يا حمار''!
*تم نشر أجزاء من هذه القصة في أسبوعية ''المحقق''، وهذه فرصة لنشرها كاملة.
sala alikoum -- Sa me rappel ksida, dar elsaltan 3alya fiha karma ou dalya fiha sandouk edhad fiha hakam fachla wa cha3b ji3am makla yala3dawa la3dawa. allah yarham Elhachemi garouabi
[مواطن اعمش] [ 30/09/2009 الساعة 5:57 مساءً]
قصة عميقة الدلالة "استاذ" علي او كما سميت نفسك "الأستاذ مواطن أخرس" ولكن اريد ان اتطفل فادعوك الى اعادة صياغة القصة فقط بحيث يكون الوادي المذكور بعيدا عن سطوة هذا السلطان ، هذا طبعا إذا كنت تلمح في حكايتك الي ملحمة الضياع الجزائري التي نعيشها يوميا فانا لا اظن انه بقي لنا و لا حتى واد واحد يجرؤ على قول "طز"،ودياننا عزيزي و جبالنا أداة في يد السلطة لتخديرنا بأساطير الثورة الوهمية أو فزاعات الإرهاب ليس إلا.....
[سعاد] [ 27/09/2009 الساعة 10:15 صباحاً]
ربما لا تصدقني قولا ان افصحت عن مدى اعجابي بكتاباتك لكن وان مثل هذا الشعب اخاف ان تنقلب يوما وتصبح بلا ضمير على هذا الشعب المسكين الذي من الصباح الى المساء و هو وراء تلك اللقمة حتى مع مرور الوقت قد فقد انسانيته وقد وجد في كتاباتكم ككل عائلة الخبر الاسبوعي ما يفكره بها وانه مازال في هذه البلاد من يسأل عنه ويدافع عنه من انياب الذئاب والضباع مسكين هذا الشعب
[صاد العلي ] [ 25/09/2009 الساعة 10:19 صباحاً]
هذا ما تحلم به انت سيدي المحترم أي أن تتولى الصخور الصماء الدفاع عن الكتل البشرية الهائمة على وجهها كالأنعام اما القصة الحقيقية و النهاية المنطقية للهوان فهي عكس هذه تماما ...... يا عزيزي.
فهي ان يخرج الناس للعراء يجأرون يتولى بعضهم إذلال بعض و ينبري بعضهم يسرق بعض يزني الرجل بحليلة جاره و يتفسق بابنة عمه و يتلهى بلواط اقاربه حتى ينزلقون الى الدرك الاسفل يتسابقون ليحصلوا على مرتبة ضبع او ذئب..... يقضون حوائجهم و حاجاتهم في عرء الطبيعة لانه فمن يهن يسهل الهوان عليه
و لن تمل صخرة الحقيقة من تكرار المقولة الخالدة "كما تكزنوا يولى عليكم "
[علي] [ 24/09/2009 الساعة 3:39 مساءً]
اذا كان هؤلاء الناس عفنه فنتمني منك راجيا ان لا يجروك
ا لي مستنقعهم العفن فاختر العبارات اللائقه رءفه بقرائك.............................................................والسلااااااااااااااااااااام.........................................وصح عيدكككككككككككككككككككككككككككك
[سـلـيـم الـجزائــري] [ 22/09/2009 الساعة 4:31 مساءً]
لقد أخطأت هـذه المرة يا صديقي وأنت تـهـدي هذه القصة المحبـكة إلى من ينسى آدميته ، ويلبس ثوب الذئاب و الكلاب ، - وحا شاها - فـهي لا تعض بني جـلدتها .
لقد كان حريـا بك أن تـهدي ما بين سطـورها إلى أولئك الذين لم يصابـو بإلاسهال منذ مدة طـويلة ، ببساطة لإن مصارينهم فارغـة ولم يـتناولو وجـبـة تستـاهـل الذهـاب إلى المراحيض منذ دخول شهـر رمضان الكريم ، وكيف يتسنى لهم ذلك وقفة بابا نويل الرحيم لا تأخـذ دورتها الطبيعيـة ، فهي لا تتجاوز حتى الأفواه وتذوب من قاتها في بين السنان و الحلقوم.
وأنا أقرأ هذه القصة إنتابني مزيـج من مشاعر الفرح والحـزن في آن واحد ،فرحت أشد الفرح لانه كان يتـخيل لي أن هؤلاء الـفراعنة لا يذهبون إلى المـراحيض مثلنا ولا يصابون بالاسهال ابدا ، كنت أعتقد أننا نحن فـقط أبناء الشعب من يذهـب إلى تلك الامـاكن ، ولكن ادركت اليوم حقيقتهم. أدركت أنهم يتصرفون مثل الاآدميـين ، وربما يقضـو ساعات طويلة لقضاء حاجاتهــم.
وحزنت لأنـهم ''ما يستاهلوش '' أن يتـنعـمو بـهـذه النعمة ، فــلا مجال للقياس بين من يشقى ويكدح ليكسب قوت يومه ، ومـن يسرق أقوات الملايين بــجرة قلـــم.
وعزائي الوحيد هو في عظمـة وعدل الخالق سبحانه وتعالى ، فقد خبأ للفراعنة - مصاصي دماء الشعوب - ما هو أعظم من حبس نعمة الذهاب إلى المراحيض.