إذا كان جزء من أرشيف التلفزيون لسنوات الأزمة الدموية قد تم ''تهريبه'' بطرق سرية، مثلما يتردد في شارع الشهداء، فكيف سيكون مصير أرشيف الثورة الذي تطالب الجزائر باسترداده من فرنسا، خصوصا وأنه أهم بكثير وأكثر حساسية على أكثر من صعيد؟
عندما باعت شركة أوراسكوم مصنع الإسمنت الذي أقامته في الجزائر لفائدة شركة ''لافارج'' الفرنسية، غضب رئيس الجمهورية ومعه الجهاز التنفيذي من هذه الصفقة لكونها، حسب ما تردد، تمت من دون أن تسمع بها السلطات الجزائرية. ولا يبدو أن هذه ''شطارة'' من قبل الشركة المصرية على حساب ''النية الزائدة'' للجزائر إزاء المستثمرين العرب والأجانب، بقدر ما هي تطبيق لـ''من عاشر قوما 40 يوما أصبح منهم أو مثلهم''، فما قامت به شركة أوراسكوم يكون بعدما لاحظت أكثر من مرة استعداد أكثر من هيئة رسمية وغير رسمية لـ''بيع'' البلاد، دون الحديث عن محاولات الأفراد، كل حسب درجة نفوذه وموقعه على ''خلاها''.
لقد تحدثت وسائل الإعلام عن فضيحة في التلفزيون الجزائري، بشأن بيع قرابة 60 ساعة من أرشيف العشرية الحمراء بطرق ''كلاندستان'' لفائدة قناة فضائية أجنبية دون الحصول على ترخيص أو إذن بذلك من أي جهة وصية، ولم يتم التفطن لذلك إلا بعدما ''طارت الطيور'' كما يقال، وهو أمر يطرح أكثر من تساؤل حول مصير الأرشيف الذي نريد استرجاعه من فرنسا، والذي ترفض باريس الاستجابة لمطلبه لخوفها ربما من انكشاف طابورها الخامس أو لاحتمال استعماله في تصفية الحسابات القديمة.
ومثلما بيع الأرشيف، وهو ذاكرة الأمة وإرث مشترك ملك لكل الجزائريين، بيع سمك التونة الجزائرية لفائدة أجانب بتواطؤ موظفين بوزارة الصيد البحري، ولا أحد ''جاه النيف'' وقال إن الجزائريين يملكون أكثر من 1200 كلم من البحر ولكنهم يشتاقون لأكل السمك، بعدما ذكرت منظمة التغذية العالمية ''الفاو'' أن الجزائريين يستهلكون 6 كلغ من السمك سنويا، وهو أقل من المستوى المعتمد دوليا. ولم يقف الأمر عند تهريب سمك التونة، بل ثار أزيد من 50 ألف بحار، هذا الأسبوع، ضد ما وصفوه بـ''بارونات الموانئ '' الذين يبيعون أجود الأسماك في عرض البحر ويلهبون أسعار السردين غذاء ''الزوالية''. ولا يبدو أن مطلب البحارة بضرورة خلق فرق لمراقبة بيع السمك في موانئ الصيد سيصل صداه إلى آذان الجهة الوصية، بعدما تحول ''حاميها إلى حراميها'' كما يقولون.
وما يقال عن بيع السمك في عرض البحر يقال أيضا عن بيع صفقات التجهيز وبرامج التنمية العمومية، بعدما كشفت التحقيقات حول فضيحة الأشغال العمومية والموارد المائية، أن رشاو وعمولات بالعملة الصعبة وبالدينار حولت لحسابات خاصة لأكثر من وسيط مقابل الحصول على مشاريع في الطريق السيار شرق ـ غرب وبناء السدود وتجهيز الطرق، وهي البرامج التي التهمت حصة الأسد من موارد قوانين المالية للعشر سنوات الماضية، وجعلت قانون المالية لسنة 2010 باعتراف وزير المالية يعرف عجزا اضطرت الحكومة لسده الاستعانة بموارد صندوق ضبط الإيرادات الذي تعصر موارده مثل حبة الليمون.
ولما تعترف 35 بالمائة من المؤسسات الأجنبية العاملة بالجزائر، مثلما ذكرت الباحثة الفرنسية كلوديت شومبيراش من جامعة باريس في ملتقى بتيزي وزو، أنها دفعت رشاوى وعمولات نظير حصولها على مشاريع وصفقات بالسوق الجزائرية، وذلك طبعا على حساب رفع ميزانيات تلك المشاريع، لأن هذه الشركات الأجنبية جاءت لـ'' تربح'' وليس لتسجيل خسارة، يمكن فهم لماذا الشعب الجزائري يسمع فقط بـ''رنين'' أموال البترول ولكنه لم يتذوق طعمها قط، لأن الجزائر، للأسف الشديد، امتهنت حرفة جديدة اسمها ''آلفو براج''.
لم تسلم من ''آلفو براج'' لا أموال السدود الحقيقية ولا الميزانية العامة للطريق السيار شرق ـ غرب، ولا حتى قفة رمضان التي توزع على الفقراء والمحتاجين التي حولت أموالها عن مجراها الطبيعي قبل أن تصل إلى أصحابها الشرعيين، وهي سلوكات لم يعد يردعها لا خط أحمر ولا قانون ولا هم يحزنون، وتحول كل شيء في الجزائر سائب ومباح، وكأن هناك تحالف على ''خلا'' البلاد.
ما يجري اليوم صورة لا تختلف كثيرا عما جرى قسمته في 62 غداة الاستقلال، حيث تم ''الهجوم'' على ريع المرحلة الكلونيالية من قبل فئة تعرف من أين تأكل الكتف، في الوقت الذي كان فيه عامة الجزائريين يحتفلون في الشوارع ومنشغلين بحلاوة النصر وإخراج فرنسا من الجزائر بعد 132 سنة استعمار استطاني، لكن مع تسجيل فارق هام، أنه بالأمس كانت الناس قنوعة بالقليل، عكس المرحلة الحالية التي تحول فيها الناهبون والمختلسون والمرتشون مثل النار تقول دوما ''هل من مزيد؟''.
إنها الكارثة، إنه الزلزال الذي حول العقل وقلب الإنسان في المجتمع الجزائري إلى مجرد كتل خلايا تجهل الحس النبيل بالمسؤلية. مجتمع كامل يتحلل ويتفسخ وينحرف عن السراط المستقيم. لقد تلاشت صور الأخلاق التي كنا نعرفها بين عامة الناس، وتغيرت القيّم وأصبح اللص والسارق ينعت ب"القافز أو السّاجي". يقال في الشارع الجزائري عندما يجري الحديث عن شخص ظهرت عليه علامات الرخاء والشبعة الغير شرعية في لمح البصر، أنه "قفز" لأنه كان مسؤل وعرف كيف يستغل موقعه ذاك ليلعب لعبة الخفة البهلوانية بأموال الشعب أو أنه كان رجل أعمال عرف كيف يدفع الرشاوي ويفوز بصفقات المشاريع التي يبقى بمعظم غلافها المالي في جيبه معتمدا على الغش واللامسؤلية في تنفيذ المشاريع. وفي نفس الوقت أصبح الإنسان النزيه والشريف الذي يخشى الله أو ضميره الحي ينعت ب"الجايح" لأنه ببساطة لم يتطاول على أموال الشعب وبقي يعيش بعرق جبينه مفضلا البساطة وراحة الضمير على التفرعن وتعفن الإحساس.
ماذا ننتظر من مجتمع وصل الفساد فيه حتى الطبقات البسيطة وأصبح معظم أفراده يقدسون المادة ويسعون لكسبها بأي وسيلة كانت أم لم تكن شرعية؟
الأمل الوحيد الذي نطلب من الله أن ينزله علينا كما ينزل ليلة القدر هو أن يطرأ تغيير يبدأ من رأس الهرم، أي من السلطة العليا، لأنه أسرع وله من الفاعلية مايكفي لتغيير هذا الوضع الكارثي. نطلب من الله أن يرفع إليه زمرة الحكام المسنين العاجزين الذين أبتلانا بهم وأن يرزقنا بأبناء الجزائر النزهاء من الشباب ذوو الأهلية وأصحاب العطاء.
[abdel] [ 09/11/2009 الساعة 6:49 صباحاً]
domage pour mon pays est pas comme les autres ! Pas les sens responsabilé et de penser au autres
[soumai] [ 02/11/2009 الساعة 5:58 مساءً]
شكرا على المقال
[abdennour] [ 02/11/2009 الساعة 10:46 صباحاً]
eachkorokom 3la koul madjhod min adjl tthkif lmouatin .....bonne courage