رأي مواطن أخرس ردا على تفاهات علاء وجمال مبارك وغيرهما من أشباه المصريين: بالأفعال.. لا بالكلام.. يا ''دلوعة'' ماما سوزان.. و''بابا'' مبارك
هذا بعض ما قدمه ''البربري'' و''الهمجي'' و''البلطجي'' الجزائري لمصر.. ولشعب مصر
التاريخ المصري.. وثائق وشهادات.. يشهد على وقوف مصر إلى جانب الثورة الجزائرية بالسلاح والمال والسياسة.. والتاريخ المصري أيضا.. وثائق وشهادات.. يشهد أيضا بأن الجزائر، بلد ''البربر'' و''الهمج'' و''البلطجية''، كانت متخندقة مع مصر وشعب مصر في ثلاث حروب.. حرب,.67 حرب الاستنزاف.. وحرب,.73 بالسلاح والمال والبترول والسياسة.. والتاريخ المصري.. وثائق وشهادات وإحصائيات.. يشهد أيضا بأن الجزائر، بلد ''البربر'' و''الهمج'' و''البلطجية''، كانت أكثر كرما وسخاء وعطاء ورجولة.. فمقابل المسدسات المصرية قدمت الجزائر صواريخ! وبدل البنادق المصرية أعطت الجزائر دبابات! وبدل الرشاشات المصرية قدمت الجزائر وعن طيب خاطر طائراتها الحربية!
ومقابل آلاف الجنيهات المصرية، صرفت الجزائر مئات ملايين الدولارات على جيش مصر، ومن أجل مصر! وإذا كانت مصر قد سجلت موقفا لصالح ثورة الجزائر، فالجزائر ومن أجل مصر وقفت حتى ضد مصالحها ومواطنيها وكان آخرها مساندة وزير ثقافة مصر ووقوفها ضد وزير خارجية الجزائر الأسبق!
وإذا كان التاريخ المصري.. وثائق وشهادات.. يشهد أيضا بأن أزيز رصاص ودوي السلاح الجزائري قد لعلع فوق أرض مصر في مواجهة إسرائيل وبأن جزائريين استشهدوا وآخرين سالت دماؤهم من أجل مصر وشعب مصر، فإن نفس التاريخ، أي التاريخ المصري.. وثائق وشهادات.. يشهد أيضا بأنه لا يوجد في ملفاته اسم مصري واحد أطلق رصاصة واحدة من أجل ثورة الجزائر.. ولا مصري واحد سالت منه قطرة دم واحدة من أجل شعب الجزائر!
والتاريخ المصري والعالمي يشهد أيضا.. بأن علم الكيان الصهيوني.. علم دولة إسرائيل يرفرف فوق أرض وفي قلب سماء مصر.. لا فوق أرض وفي قلب سماء الجزائر!
الأعياد الحزينة
في ذلك الصباح غير العادي.. سألت أمي وببراءة الطفل ''غدا سيكون العيد.. وكل الآباء قد عادوا إلى الدوار ليعيّدوا مع أولادهم وأهاليهم.. كلهم عادوا محمّلين بالهدايا.. بالحلوى واللعب والألبسة الجديدة.. كلهم عادوا إلى الدوّار إلا أبي؟!''.. قالت والدتي بصعوبة وقد لمعت الدموع في عينيها وبح صوتها ''والدك لن يستطيع المجيء لأنه في مكان بعيد جدا عن الدوّار''.. وسألتها متعجبا: ''أبعد من عنابة؟''.. وكنت وقتها أعتقد أن مدينة عنابة هي آخر العالم.. فردت وهي تحرك رأسها إلى الأعلى والى الأسفل قائلة: ''.. نعم أبعد من عنابة.. لقد أخذوه إلى مصر.. إنها المرة الثانية التي يرسل فيها إلى هناك.. المرة الأولى كانت قبل مجيئك إلى هذه الدنيا''.. ولما سألتها ''وماذا يفعل في مصر.. لماذا أخذوه إلى هناك؟''.. فردت بجملة قصيرة ولم تضف.. ''لقد أخذوه إلى الحرب''.. وجاء عيد الفطر.. ورحل عيد الأضحى.. وجرت أحداث سعيدة وأخرى حزينة هزت الدوّار الصغير الهادئ.. ولم يأت والدي.. ولم أعرف أين تقع مصر.. ولم أفهم كلمة.. حرب.. كما لم أكن أعرف بأن هناك الآلاف من الأطفال في سني وربما أقل وربما أكبر.. كانوا هم أيضا يسألون نفس السؤال كلما اقترب العيد.. وكانوا يسمعون نفس الإجابة.. وكانوا مثلي أيضا لا يعرفون أين تقع مصر.. ولا معنى كلمة حرب.
وكان من الطبيعي أن أكبر.. وأذهب إلى المدرسة وأكتشف بأن هناك شيئا اسمه الجغرافيا وشيئا آخر اسمه التاريخ وشيئا آخر اسمه السياسة.. وباكتشاف الجغرافيا.. استطعت أن عرف أين تقع مصر.. وباكتشاف التاريخ.. استطعت أن أعرف معنى العدوان والحرب وحرب الاستنزاف.. وباكتشاف السياسة استطعت أن أفهم وأعرف لماذا أرسلوا والدي وآلافا من أمثاله إلى هناك..
لا توقفوا المعركة!
التاريخ 9 جوان ,.1967 الوقت.. مساء.. المكان قصر القبة.. البلد.. مصر.. في ذلك التاريخ وذاك المكان.. جلس أحمد الشقيري، مسؤول منظمة التحرير الفلسطينية، يستمع لضيفه الغاضب والمستاء جدا، وبصراحته المعهودة قال الضيف للسيد الشقيري: ''.. هذا الذي كنت أخشاه.. لقد كان رأيي منذ البداية أن تستمر المعركة.. وألا نوافق على قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، إذا كنا قد فقدنا طائراتنا، دباباتنا، فعلينا أن نقاتل.. إن القوات موجودة الآن في الميدان.. يجب أن نضع خطة جديدة لاستئناف القتال.. نحن أمام ظروف تاريخية.. إن المعركة وحدها التي تنقذنا من مضاعفات الهزيمة التي حلت بنا''!.. لم يكن المتحدث المشير عامر ولا الفريق محمد صدقي ولا أي قائد من قادة الجيش المصري، ولم يكن المتحدث الغاضب والساخط جمال عبد الناصر نفسه.. المتحدث كان رئيس الجزائر.. الرئيس هواري بومدين!
وعندما قال له أحمد الشقيري موضحا ومهدئا ''لقد تحطم الجيش المصري وتحطمت معداته.. والجيش السوري كذلك.. والقوات العربية الأخرى باستثناء الجيش العراقي، قفلت راجعة إلى ثكناتها بعد أن توقف إطلاق النار.. وأعني تونس والمغرب وليبيا''.. وبمجرد أن توقف الشقيري ليرد أنفاسه حتى رد عليه بومدين قائلا: ''كل هذا صحيح.. ولكننا نستطيع أن نفتح ميدان المعركة من جديد.. ونستطيع أن نجر القوات العربية إلى الميدان من جديد.. المهم أن نستأنف القتال وأن نضع خطة جديدة، وقد جئت إلى القاهرة لأحدث الرئيس عبد الناصر بأفكاري هذه''.
كان بومدين يرى، حسب الشقيري، ضرورة استئناف القتال ولو على طريقة حرب العصابات، لقد عارض وقف إطلاق النار وكان يريد الاستمرار في الحرب حتى ولو دخلت القوات الإسرائيلية إلى القاهرة ودمشق والى بغداد، لأن ذلك في رأيه يجعل المعركة تنتشر في الوطن العربي كله. وعبد الناصر كان يريد استئناف القتال هو أيضا، لكن ذلك غير ممكن قبل استكمال الاستعدادات العسكرية، وكان الاقتصاد المصري عاجزا عن توفير ذلك.. ويلخص الشقيري رؤية وسلوك الرئيسين جمال وبومدين قائلا: ''لقد تصرف بومدين كثوري خريج مدرسة الثورة الجزائرية، أما عبد الناصر فقد تصرف كنظامي وكرئيس دولة. لقد كان بومدين يعتقد بأن هذه الحرب هي فرصة لحل كل المشاكل العربية، أما عبد الناصر فكان يعتقد بأنه لا حل لمشاكل الأمة العربية قبل حل مشاكل مصر''!
أربعة أيام قبل هذا اللقاء، أي يوم الهزيمة الذي بدا وكأنه يوم مستعار من أيام الجحيم، كان الشقيري جالسا يستمع لعبد الناصر الحزين والمحطم ''المعركة أشبه بالحلم، بالخيال، لا أكاد أصدق ما وقع، المعركة انحسمت في اليوم الأول، بعد أن دمر العدو سلاحنا الجوي ومطاراتنا.. القيادة العسكرية وقعت في ارتباك شديد.. أنا كنت أقدر أن المعركة واقعة لا محالة وأنها ستقع في الخامس من يونيو وأن الضربة الأولى ستكون موجهة إلى سلاحنا الجوي، وأنا حذرت القيادة العسكرية بنفسي، ولكن القيادة العسكرية لم تأخذ الموضوع بالجد الكافي.. تصور أن قيادتنا العسكرية بكاملها وعلى رأسها المشير عامر ومعه الفريق صدقي قائد سلاح الجو، قد غادروا مطار القاهرة إلى سيناء في صباح الخامس من يونيو قبل العدوان بخمس دقائق في طائرة خاصة.. وعادت طائرة المشير دون أن تجد مطارا واحدا قادرا على استقبالها.. وقد هبطت طائرة المشير في مطار القاهرة، ونزل منها المشير عامر وأركان القيادة العسكرية، وبعد أن غادروها ببضع دقائق ضربتها الطائرات الإسرائيلية وجعلوها كومة نار''!
وفي الوقت الذي كان فيه عبد الناصر يعلن قرار تنحيته من منصبه وتحمّله مسؤولية خسارة الحرب، كان بومدين يخاطب الشعب الجزائري قائلا: ''لقد كنا نتوقع هذا الإجرام من طرف الدول الإمبريالية التي خلقت دويلة للصهاينة وجعلت منها رأس جسر لضرب الأمة العربية.. إن ميدان القتال يجب ألا يتحدد بالقتال في سيناء بل في العالم العربي كله''.
كانت الساعة الخامسة من مساء الخامس جوان، عندما وصل بومدين إلى ثكنة زرالدة وبمجرد وصوله بدأ في تفقد جنود الوحدة العسكرية الأولى المتوجهة إلى أرض المعركة الذين خطب فيهم قائلا: ''أنتم بصفتكم طلائع أولى لشعب لم يطأطئ رأسه طيلة أجيال.. أنتم بذهابكم إلى المعركة ستدافعون عن فكرة سامية ألا وهي القضاء على قاعدة للاستعمار وعلى خنجر في قلب الأمة العربية''.. وفي نهاية اليوم اتصل عبد الناصر ببومدين ليقول بأنه في حاجة ماسة إلى أكبر عدد ممكن من الطائرات، لأن أسطوله الجوي قد دمر عن آخره من طرف العدو. بومدين والجزائر لم تتأخر في تقديم أغلى ما تملك خدمة للمعركة، فكل ما كان على عبد الناصر فعله هو إرسال الطيارين المصريين لاستلام الطائرات الحربية الجزائرية، لأن الطيارين الجزائريين كانوا في تدريبات خارج الجزائر.. وبعد مكالمة عبد الناصر، عقد بومدين جلسة استثنائية وعاجلة لمجلس الوزراء، على إثرها أصدر المجلس بلاغا جاء فيه: ''بعد العدوان على الوطن العربي تعتبر الجزائر نفسها في حالة حرب ضد إسرائيل''.
يوم السادس من جوان، أي 24 ساعة بعد يوم ''النكسة''، طلب السفير الأمريكي مقابلة الرئيس بومدين وكان له ذلك.. السفير الأمريكي كان واضحا في كلامه ''سيادة الرئيس إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تنظر بعين الارتياح للقرار الجزائري القاضي بتزويد مصر بالطائرات الحربية الجزائرية''.. وكان رد بومدين أكثر صراحة ووضوحا ''أيها السفير.. يجب أن تعرف بأن الزمن الذي كانت فيه أمريكا تأمر والدول الصغيرة تطيع قد انتهى''! في نفس اليوم وبعد مقابلة السفير الأمريكي، أصدر مجلس الوزراء الجزائري البيان التالي: ''ردا على المشاركة في العدوان الآثم الذي قامت به كل من أمريكا وبريطانيا ومساندتها للعصابات الصهيونية ضد مصر وسوريا والعراق واليمن تقرر قطع علاقاتنا الدبلوماسية مع أمريكا وبريطانيا''.. وأضاف البيان ''بعد اجتماع بغداد الذي ضم الدول العربية المنتجة للنفط.. قررت الجزائر وبصفة حازمة إيقاف تصدير البترول إلى الولايات المتحدة وبريطانيا ووضع الشركات الأمريكية والبريطانية تحت المراقبة''!
بعد حوالي أسبوع على يوم ''النكسة'' وبناء على اقتراح من جمال عبد الناصر، طار بومدين إلى موسكو التي وصلها في حالة نفسية سيئة للغاية، حيث رفض برنامج الزيارة الذي أعدته القيادة السوفياتية خاصة التكريمات والعزومات.. إذ تحدث لبرجنيف وكوسجين وبقية القادة السوفيات بصراحة وضيق ''إنني لم آت إلى هنا لكي أتغذى أو أتعشى وإنما جئت لأفهم''.. وتحدث بومدين بصراحة مزعجة عن ''حدود الوفاق بين الروس والأمريكان'' و''هزيمة السوفيات قبل هزيمة مصر والعرب في الخامس من يونيو''، ولم يتوقف بومدين عن ''توبيخ'' السوفيات على تقصيرهم في الحرب، إلى غاية أن قال له كوسيجين ''هل تريدوننا أن ندخل في حرب نووية؟ وهل تقدّرون ما هو معنى الحرب النووية واحتمالاتها؟''، فرد بومدين ''إن هذا الكلام كان ينبغي أن تفكروا فيه قبل الأحداث وليس بأثر رجعي''. فتدخل برجنيف الذي ظل صامتا، قائلا: ''إن الاتحاد السوفياتي لم يكتف بالبيانات والمقالات وإنما قدم لأصدقائه العرب ما يحتاجون من سلاح ولكنهم لم يحسنوا استعماله''.. كانت الجملة الأخيرة كافية لأن يفقد بومدين آخر ما تبقى له من هدوء ولياقة وأعصاب، فرد على برجنيف ''ليكن.. نحن لا نحسن غير أن نسوق الجمال ولا نعرف كيف نقود الطائرات الحديثة.. فتعالوا أنتم وأوروبا وأرونا ما تستطيعون عمله.. إن معلوماتي كلها تؤكد أن السلاح الإسرائيلي كان متفوقا في الكم والكيف''.. فقال كوسيجين معلقا ''إننا نحاول أن نستجيب لطلباتكم وقد منحناها لكم بأسعار مريحة بل إنكم لم تسددوا حتى ربع تكاليف ما حصلتم عليه''.. وكانت هذه الكلمات كافية ليفقد بومدين كل أعصابه ويستبد به الغضب، فقال مؤنبا ومتحسرا ''لقد كنت أتخوف من هذه الملاحظة وأستعدت لها بأن طلبت من وزير المالية الجزائري أن يعد لي تحويلا لصالح وزارة الدفاع السوفياتية بمبلغ مائة مليون دولار''.. تناول بومدين الشيك ثم رماه فوق الطاولة أمام كوسيجين الذي احمر وجهه ولم يجد ما يقوله إلا ''إنني لست تاجر سلاح حتى تعاملني بالشيكات''، ولم ينتظر بومدين بقية كلامه ليرد عليه ''لست أنا الذي بدأ وإنما أنت بالحديث عن نصف الثمن وربع الثمن''.. وتكهرب جو داخل القلعة وكان لابد من رفع الجلسة.
في أحد تلك الأيام الصعبة والقاتمة وفي مكان ما في القاهرة، كان عبد الناصر وبومدين والرئيس العراقي عبد الرحمان عارف الذي كان ممسكا بطرف الحديث ''إن العراق قبل المعركة بأيام دعا إلى مؤتمر لوزراء النفط والاقتصاد العرب، وكان هدف العراق أن يدخل سلاح النفط وسلاح الفوائض المالية العربية للتأثير في صالح المعركة.. ومع بدء المعركة صدرت تصريحات حماسية من كل النواحي ولكن أحدا لم ينفذ باستثناء العراق والجزائر على حد علمي. ولم تكد المعركة تتوقف حتى عاد الضخ أكثر مما كان، وظل العراق والجزائر ملتزمين بحظر تصدير النفط، وهو الأمر الذي أثار أزمة في الغرب، لكنه في الوقت نفسه أدى إلى مشاكل للبلدين. فالنفط يمثل بالنسبة للعراق 85 بالمائة من دخله''.. وأضاف عارف ''إن من بين الاقتراحات التي نوقشت في بغداد كان هناك اقتراح إنشاء صندوق توضع فيه نسبة معينة تخصص لدعم المعركة''.. وقبل أن يبدأ عارف في شرح الفكرة، قاطعه بومدين قائلا: ''إني لا أعتقد أن هذه الفكرة ممكنة. وسوف يستغل بعض الناس الصندوق لكي يقولوا أنهم يخدمون المعركة وهم في الحقيقة لا يخدمونها.. إننا أقسمنا أن لا نغالط شعوبنا.. لكننا الآن نمشي في عملية ''تغليط'' ولابد من وقف هذا التغليط لأنه في رأيي أنه ليس هناك تضامن. بعض الناس يقولون بالتضامن تغطية لمواقفهم، بينما الواقع أننا كنا وحدنا في المعركة قبل الخامس من يونيو، وفي الخامس من يونيو، وبعد الخامس من يونيو.. وأعتقد أننا لابد من أن نطرح موضوع البترول بوضوح ولننسف كل بئر وكل أنبوب.. وليذهب البترول كله إلى الجحيم إذا كنا في النهاية نعطيه للأمريكان''!
''أسلحة وكمان ذخائر.. يا أخ بومدين!''
مات عبد الناصر.. واهتز العالم العربي والعالم الثالث لرحيله المفاجئ في ذاك الزمن الحرج والظروف العصيبة.. وكان من الطبيعي أن يقفز إلى السطح ذلك السؤال الذي كان يطرحه الجميع في السر والعلن في القاهرة والجزائر ودمشق وبغداد وفي تل أبيب وواشنطن وموسكو.. وكان السؤال: ''هل سيحارب السادات؟''.
في السادس من فيفري 1972 وصل قائد أركان الجيش المصري سعد الدين الشاذلي إلى الجزائر في زيارة كادت أن لا تكون بسبب اختلاف وجهات النظر بينه وبين السادات، هذا الأخير قالها له صراحة ''لا أوافق، إنها مضيعة للوقت ولن يكون هناك أي نتائج مفيدة لهذه الزيارة. إني أوافق على أن تزور ليبيا والسعودية، لأن هاتين الدولتين فقط على استعداد حقا لتقديم العون، أما الدول الأخرى، الجزائر، المغرب والعراق، فإنها لن تعطي شيئا، إنهم يزايدون فقط. سوف يستفيدون دعائيا من زيارتك ولكنهم لن يعطوا شيئا''.. ولما قال له سعد الدين ''يا سيادة الرئيس، إن علاقة مصر مع تلك الدول سيئة، فإن نجحت زيارتي في الحصول على أي شيء لمصر فهو مكسب، وإذا لم تستطع زيارتي أن تحقق أي نجاح فليس هناك شيء نخسره''.. رد عليه السادات شبه غاضب ''شوف يا سعد.. أنت راجل عسكري محترف ولا تفهم في السياسة.. إني أعلم في السياسة وأتعامل مع هؤلاء الناس منذ عشرين عاما وأعرفهم جيدا.. إنهم يزايدون أحيانا، وأحيانا يعرضون مساعدتهم بعد أن يفرضوا شروطا غير مقبولة، ليس هناك أي أمل يرجى من هؤلاء الناس..''؟ وقابل سعد الدين بومدين وفي أذنه كلمات رئيس الجزائر التي لن ينساها أبدا ''إذا قامت الحرب.. فيجب أن تتأكد بأن الجزائر ستقوم بإرسال كل ما عندها لكي يقاتل الجزائريون جنبا إلى جنب مع إخوانهم المصريين''.. وعندما عاد سعد الدين إلى مصر وقدم تقريره عن زيارته إلى الجزائر والمغرب، قال له السادات ''لقد ضحكوا عليك''!
ولكن سعد الدين الشاذلي عاد مرة أخرى إلى الجزائر في السادس عشر سبتمبر1973، في ذلك اليوم الخريفي، جاء سعد الدين ليخبر بومدين بأن مصر ستدخل فعلا في حرب مع إسرائيل.
في ذلك اللقاء، دام الحديث بين الرجلين أكثر من ساعة ونصف، تحدثا فيه عن الأمور السياسية والتقنية للحرب وأشياء أخرى كثيرة ولم يتوقف الحديث إلا عندما قال بومدين لضيفه: ''إن قرار الحرب.. قرار صعب ولكن أصعب منه أن نبقى نحن العرب في هذا الوضع المهين الذي نحن فيه الآن''.. وعاد سعد الدين إلى القاهرة مثلما جاء، في سرية تامة، وهو متأكد وواثق بأن الجزائر لن تتأخر عن المعركة مهما كانت صعبة وقاسية ومؤلمة.
كانت الساعة الثانية بعد الظهر من يوم السبت السادس من أكتوبر 1973، عندما كانت أنظار السادات وقيادته العسكرية في مركز القيادة متوجهة كلها إلى الجزء الخاص بالقوات الجوية المصرية، وقد كانت الإشارات تؤكد بكل وضوح بأن القوات قد نفذت مهمتها بكل نجاح.
في قصر الطاهرة، كان رنين الهاتف متواصلا وبدون انقطاع، كل رؤساء وحكام العرب وصل إلى أسماعهم ما حدث في ذلك اليوم.. أول من تحدث معه السادات كان الملك حسين، ولم يكن المتصل الثاني إلا بومدين.. كانت الساعة السابعة وعشر دقائق بتوقيت القاهرة، عندما رفع السادات سماعة الهاتف وكان بومدين على الخط.
ـ بومدين: الأخ السادات
ـ السادات: أهلا.. أهلا يا أخ بومدين
ـ بومدين: ماذا تنتظر منا يا أخ السادات؟
ـ السادات: نعم
ـ بومدين: أنا في الواقع منتظر إيش نعمل
ـ السادات: يعني زي ما قلتك
ـ بومدين: نعم
ـ السادات: يعني من ناحية الأسلحة.. أنا مش عايز أفراد
ـ بومدين: نعم
ـ السادات: يعني الأسلحة والبترول
ـ بومدين: طيب.. طيب
ـ السادات: بس
ـ بومدين: وإذا كنت تريد تحركا في الميدان الدولي فنحن مستعدون لكل حاجة
ـ السادات: أنا شاكر قوي
ـ بومدين: نتمنى لكم انتصارات أكبر
ـ السادات: الله يبارك فيك
ـ بومدين: والقضية ألي أنت تحتاجها (الأسلحة والبترول) في عينينا
ـ السادات: إن شاء الله
بومدين: بلغوا تحياتنا لكل الإخوة وخصوصا الجنود
ولم يتوقف بومدين عن الاتصال بالسادات، مرة ثانية وثالثة ورابعة وخامسة.. من أجل متابعة آخر أخبار الحرب ولتلبية حاجات الجيش المصري وكان السادات، الذي لم يكن يرد على كل مكالمات الرؤساء والحكام العرب، يرد عليه شخصيا.
ـ بومدين: الحمد لله.. وشوف يا أخ أنور
ـ السادات: نعم
ـ بومدين: فيما يخص البترول
ـ السادات: آه
ـ بومدين: واش مكرر أم خام؟
ـ السادات: يعني إحنا بنفضل خام
ـ بومدين: إحنا قررنا الدفعة الأولى تكون مليون طن
ـ السادات: وهو كذلك.. كويس قوي
ـ بومدين: معقول طبعا؟
ـ السادات: كويس قوي
ـ بومدين: أنا مش عارف الأرقام بالضبط لكن هذا اللي قررناه
ـ السادات: لا كويس.. ما أحنا نبتدي بمليون.. لا كويس
ـ بومدين: اتخذنا نفس القرار بالنسبة لحافظ (حافظ الأسد)
ـ السادات: كويس.. كويس قوي
ـ بومدين: والله المعركة لازم تكون على الكل
ـ السادات: لا كده تمام
ـ بومدين: ونحن نفكر في أشياء أخرى استغلها على أي حال
ـ السادات: والله زي ما قلت لك.. أي أسلحة وعتاد ابعث لي
ـ بومدين: نعم
ـ السادات: والذخيرة كمان يا أخ بومدين
ـ بومدين: نعم
ـ السادات: والذخيرة مهمة
ـ بومدين: نعم.. نعم.
رغم تطمينات السادات المستمرة لبومدين بأن المعركة تسير في صالح الجيش المصري، إلا أنه كانت تصله، عبر قنواته الخاصة، معلومات كانت تشير إلى العكس تماما، فالإسرائيليون استفاقوا من دهشتهم واستعادوا أنفاسهم وبدأوا يحضرون لهجمات كاسحة بمساعدة الأمريكان.
بعد آذان مغرب الثالث عشر من أكتوبر وبعد تناول الإفطار.. طار بومدين ومن معه إلى موسكو لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.. عندما دخل قاعة الاجتماعات بالكرملين، كانت المرحلة فعلا بالغة الخطورة، فالقوات المسلحة المصرية والسورية كانت تجتاز أياما عصيبة لأن الجسر الجوي الأمريكي نحو تل أبيب كان يعمل وبكفاءة.. وهنري كيسنجر، وزير خارجية نيكسون، يفعل المستحيل من إجهاض انتصارات الأسبوع الأول من أكتوبر.
كانت محادثات بومدين مع السوفيات أكثر إرهاقا من طول السفر ومشقته، حيث لم يخف السوفيات شكوكهم وتوجساتهم تجاه السادات وغضبهم منه، خاصة بعد طرد خبرائهم من مصر بطريقة مهينة، لذلك قال بومدين لمضيفه: ''فلندع كل هذه الاعتبارات جانبا، اعتبروني تاجر سلاح جاء ليعقد صفقة أسلحة، أدفع ثمنها على الفور''.. كان الحديث مع السوفيات شاقا ومنهكا لكنه انتهى بالاتفاق على شراء الجزائر أسلحة بقيمة 200 مليون دولار من الروس يتم تسليمها مناصفة ما بين مصر وسوريا مباشر.
الغريب في الأمر، ومن سخرية الأقدار، أنه كان للسادات رأي آخر مختلف تماما في الجزائر وعن بومدين.. فقبل سبعة أشهر فقط على اندلاع حرب أكتوبر وبالضبط في شهر مارس,1973 وفي اجتماع ضم قيادة أركان جيشه وأعضاء حكومته قال السادات: ''.. إن هواري بومدين قد باع نفسه للأمريكان لا سياسيا فحسب بل واقتصاديا أيضا''!.. وكم كان السادات مخطئا في حق الجزائر كما أخطأ من قبله جمال عبد الناصر وبعدهما السيد حسني مبارك.. فالسؤال الذي يوجه اليوم، بعد 36 سنة، إلى أشباه المصريين هو.. من الذي باع بلاده للأمريكان (وإسرائيل) سياسيا واقتصاديا.. الجزائر أم مصر؟
*****
ملاحظة.. تم الاعتماد في كتابة هذا الرد البربري والهمجي والبلطجي على المراجع المصرية فقط، وهي كتابات الأستاذ الكبير المصري فعلا محمد حسنين هيكل (كتاب الانفجار وكتاب أكتوبر 73 السلاح والسياسة) ومذكرات الفريق المصري فعلا سعد الدين الشاذلي.. وهذا من باب ''وشهد شاهد من أهلها''.
والله لو المصريين عندهم شوية نخوة كانوا اعترفوا بفضل الجزائريين عليهم لكن للاسف مرض العظمة و مصر ام الدنيا و احنا احنا... خلاهم في مثل (كان ابي)
وخير دليل ما حدث في ام درمان كشف المستور لانهم لم يتقبلو الهزيمة وكأن مصر هي التي يجب عليها الفوز في كل شيئ وقالو (احنا انضربنا و تهزءنا ...)
اقول فين دليلكم اعطوني واحد فقط (البينة على من ادعى و اليمين على من انكر)
[kader] [ 24/12/2009 الساعة 10:02 مساءً]
salem frère très bien j'aime
[أمازيغي حر كسائر الجزائريين] [ 18/12/2009 الساعة 10:17 مساءً]
نحن نعاني من طابور خامس هنا اسمه دعاة التعريب وكاننا لا يمكن ان عربا دون مصر
وهؤلاء القومجيون والبعثيون هم من يسمح للمصريين بالتدخل في شؤوننا
لقد كانوا وراء نحاولة انقلاب الشهيد لعموري الذي لعبوا معه اللعبة التي استمروا في لعبها مع الفلسطينيين وهي المتاجرة بالثورة الجزائرية وانتهى الامر على تلك النهاية الماساوية واعدم الكولونيل لعموري
وظلت التدخلات المصرية قائمة
نتمنى ان يستفيق الجزائري كل في موقعه ونعرف ان تضامننا وانسجامنا هو الذي يصنع الاستقرار والتقدم لبلدنا
تحي الجزائر
[badji taki elbayad] [ 17/12/2009 الساعة 8:32 مساءً]
بارك الله فيك لقد قرأت مقالتك مرتين واعجبني
[zeyd] [ 11/12/2009 الساعة 12:32 صباحاً]
والله لا اظن انهم يخفى عليهم كل هدا الكلام وهته الاحداث التاريخية,لكن نظام مبارك متغلغل كالسرطان في جسم مصر ولا يسمح لأي شريف مصري بالحديث العقلاني "حسبنا وحسبهم الله ونعم الوكيل" مبروك على بنواسرائيل رجوع مصر تحت تصرفهم بعد 7000 سنة من خروجهم منها
[sai abderrazik] [ 10/12/2009 الساعة 11:13 صباحاً]
bonjour tu es mon héro,
[عبد الغفور ديدي ] [ 07/12/2009 الساعة 10:21 مساءً]
مصر التي لم يسبق في التاريخ أن وصلت إلى هذه الدرجة من" المسخرة " عندما تحول شعبها رهينة هوى رجل واحد ..كبير في السن.. أصبح يتحكم في أجهزته البيولوجية بصعوبة !!
هذا الرجل الذي أمعن في إذلال المصريين من أجل ولده الطامع في وراثة 80 مليون نسمة سعى بكل الطرق المشروعة والغير المشروعة من أجل توريثه و هندس لمخطط التوريث باستغلال الفوز في المباراة ليظهر أن ابنه بطلا قوميا يعايش أحلام المصريين ويواكب أمالهم ولكن ومن غير المؤسف فشل السيناريو رغم خبرة المصريين بالسينما !!